
الشهر الأول :
تَبحث عَمّن يصدقها ولكن دون جدوى ،
تحاول إعانتهم على تصديقها و استيعَاب ما تقوله ولكن ما من مجيب ،
فمن سيصدق فتاةً خرقاء مثلها ؟! فتاةً تنازلت عمّن تكون لتصبح كل ما لم ترد أن تكون يوماً ؟!
لا أحد ! هكذا كانت الإجابة !!
،.
الشهر الثاني :
كَان وَقع كلمات الطبيب عَلى سمعها كترنيمة صباحية ممتلئة بالأمل ،
أثبّت الطبيب صِحة م أخبرته أهلها مِنذ وقت ليس بقليل ،
نَعم هُو حِيٌ بداخلها ، يتنفس هوائهَا ، و يتذوق غذائها ،
كان كلام الطبيب كل ما تمنته يوماً ، قوله بأنها هي تحمله بداخلها ،
بأن جنينها لم يكن خُرافياً أبداً ، بأنها حامل !
،.
الشهر الثالث :
كَانت سعيدة ، سعيدةٌ جداً !
مُغرمةٌ بجنينٍ لَم تره بعد ،
جنينٍ سبب لها الكثير من الألم ،
كَانت كُل ركلةٍ منه تزيد من سعادتها ،
وَ كأنّ ركلاته تلك كَانت إثباتاً لكونه مَازال حياً يرزق بداخلها ،
كَانت تُحب أن يوقظها بركلة كُل صباح ،
لتبدأ يومها بكل أمل ، عالمةً بأنه يملك القدرة الكافية بأن يركلها ،
بأنه على ما يرام و بأفضل حال ، !
* كَانت سعيدةً جداً !
،.
الشهرين الرابع و الخامس :
كُلما مرت الأشهر ازدَاد تعلقها به ،
تَوقفت عن نظام أكلها السابق ،
أبدلته بغذاءٍ صحيٍ لم تحبذه يوماً ، و لَكنها رأته مستحقاً ،
وَازنت ساعات نومها ، أصبحت تنام تلك الـثمان ساعات الـ كانوا ينصحونها بها الأطباء دون جدوى ،
لم تنفذ ذلك أملاً بالحصول على وجهٍ نضر ، كُل ما أرادته هو جنينٌ مختلف ،
غيَرت الكثير من أركان حياتها ، حتى توجِد متسعاً له عمّا قريب ،
تَوقفت عن القيام بالعديد من عاداتها الـ كانت لا ترى حياةً لها دونها ،
ولكنها رأته خير بديلٍ لكل عادة ، و كان ليجعل منها أكثر سعادة ،
،.
الشهر السادس :
كَانت تَعلم بأن لا وجود لحلمٍ مكتمل ،
و بأن الحياة دون منغصاتٍ مَا كانت لتوجد ،
ولكنّها رأت ما أخبروها أمراً أكثر من أن تكون قادرةً على استيعابه ،
” جَنينها لَم يَكن مختلفاً أبداً ، وَ لكنه كان مُتخلفاً جداً ! “
كَانت هذه كَلمات الطبيب الـ لم تَحوي أي رحمةٍ في معانيها ،
لم تَكن قادرةً على أن تعترف بتلك الحقيقة أبداً ،
لم تُرد أن تُقر بها ،!
،.
الشهر السابع :
مَازلت غَير قَادرةً على تَصديق مَا قيل لها ،
لَم تعد تَثق بطبيبها أبداً ، كَانت ترى كل ما يقوله أكاذيب لا تمت للواقع بصلة ،
” أنا من تحمله بداخلها ، أنا أستطيع الشعور به ،
أنا أستطيع معرفة ما إن كان جائعاً أم لا ، أنا أعرفه أكثر من أيٍ منكم ،
و أنا .. أنا لَم ألحظ أي ما يثبت أقاويلكم “
،.
الشهر الثامن :
عَانت في ذا الشهر ما لم تعاني فِي حياتها مسبقاً ،
أدركت حقيقة أنهم كانوا محقين ، نعم ، لم يكن جنيناً مختلف ،
كان جنيناً …….. ، لم تَكن قادرةً على البوح بذلك بصوتٍ مرتفع ،
ولكنها تعايشت مع تلك الحقيقة ، بعثت في نفسها القليل من الأمل ،
و اختارت أن تُكمل ما بدأت ، أن تثبت للجميع خطأهم ، أن تنجب وليدها و تجعل منه شخصاً
يختلف تماماً عمّا يصفون ، ستكمل مسيرها ، سترعاه ، ستهتم به ،
ستحمله ، ستحتضنه ، و ستقرأ له كل مساء ،
و سيتغير مع الأيام !
،.
الشهر التاسع :
لَم تَعد تشعر بأي ركلاتٍ أبداً ،
لم تعد تشعر به في دواخلها ،
ولكنّها لم تعترف بذلك لنفسها حتى ،
كانت تريد الانتظار ، لم تذهب للمشفى أبداً ،
” حِين يريد وليدي الخروج ، سيشعرني بذلك “
،.
الشهر العاشر :
واصل الطبيب الاتصال بمنزلها ،
ولكنّها لم تجب أبداً ، كَانت تخشى أن يرغمها على الذهاب للعيادة ،
كَأنت تريد أن تبقى في منزلها ، أن تعتكف حتى يحين موعد ولادتها ،
لم ترد رؤية أحدهم لها ، كانت تفضل البقاء في غرفتها طوال الوقت ،
لم تعد تتغذى غذاءً صحيا بعد الآن ، لم تعد تتغذى أي غذاءً على أية حال ،
كانت تنتظر من جنينها ركلةً تشعرها بجوعه فتأكل ،!
قطعت عن نفسها كل سبل الحياة ، لم تعد تسمع شيئاً ،
لم تعد تتذوق شيئاً ، لم تعد ترى شيئاً ، لاشيء سواه !
،.
الشهر الحادي عشر :
باتت أحاديث الناس كلهم تدور حولها ،
ترى كَيف أمضت أحد عشر شهراً تحمله في جوفها ،
غير عالمةٍ ما إن كان سيحاول الخروج يوماً ،
أم أنه لن يقوم بركلة النجاة أبداً ،
مازالت تنتظر ركلته بفارغ الصبر ،
ومازال بصيص الأمل يشع من دواخلها ،
مؤمنةٌ هي بأن وليدها سيحيى يوماً ،
و بِأنها ستذكر حالها الآن و تضحك لمجرد تفكيرها بأنها قد خسرته قبل أن يخرج ،
مؤمنةٌ هي بأنه حيٌ يرزق في مكانٍ ما بداخلها ،
و مؤمنةٌ هي بأن كل ما عليها القيام به ، هو المزيد من الانتظار !
،.
الشهر الثاني عشر :
تَيقظت من غَفوتها و أخيراً ،
بدأت تُربت على انتفاخات بَطنها و تهمس بصوتٍ خافتٍ لوليدها ،
و كأنه قادرٌ على سماعها ،
” أوَ يعقل بأنك تركتني دُون أن أراك حتى ،
أو يعقل بِأنك كالجميع ي بُني ، غَادرتني دون أن أودعك ،
أوَيعقل بِأنّك رَحلت تاركاً جثتك ، أو سَتكون ابناً عاقاً لدرجة أن تعُقني برحيلك ،
أرجوك ، عِش اليوم مِن أجلي !
رَجوتك ي بُني ، لَا تَتركني أواجه ألسنتهم وحيدة ،
عِش اليوم ، و ارحل غداً !
ارزقني القدرة على رؤيتك فقط ،
قَدّم لِي وَ لو قَطرةً من سَعادة نهر الأمومة ،
و أرني إيّاك فقط ! “
،.
الشهر الثالث عشر :
أكمَلت عاماً وهي تحتضنه في جوفها ،
غَير عالمةٍ عن حاله أبداً ،
كُلما مضى شهر يخفت نور وجهها و كأنها كانت
تحمل سعادة و تُرغم على إجهاضها كل يوم ،
وَ كَأن وجوده يَسرق منها كَيانها ، فَلم تَعد السابقة هِي أبداً ،
اختَلف كُل شَيء قبله !
و اختَلف كُل شيءٍ بَعده !
،.
الشهر الرابع عشر :
وَقفت أمام المرآة ،
تأملت شحوب وجهها ، و التجاعيد التي ظهرت عليه قبل أوانها ،
نظرت إلى عيني تلك المرأة أمام المرآة ، تُرى من تكون !
و لِم لا تلمع عينيها كَغيرها من البشر !
أيُعقل بِأنّها هي !
أوتَغير كُل ذَا بلمح البصر ، أو فَقدتني حقاً !!
اعتَرفت حِينها بواقع الأمر ، لَم يَكن جنينها على قَيد الحياة أبداً ،
رَكضت إلى الهاتف لتتصل بالطبيب ، حادثته و صوتها ممتلئٌ بالشهقات ،
” لَقد رحل ! لَم يعد لدي ابنٌ يَ سيدي ،
لَم يكن لِي ابنٌ يوماً ، لَم أكن أرى جيداً !
كنت أرى كذبة ، كنت قَد صدقت كذبة ،
كنت أعيش كذبة يَ سيدي ،
وَ لَكنه رحل الآن ، ر ….رحل بروحه و روحي معه ،
رحل بروحينا بَعيداً و لن يعود !! “
،.
في ذَات اليوم ،
أجريت لها العملية ،
و استخرجت بقايا الوليد الـ كانت تحملها في أحشائها ،
ما إن استفاقت من العملية إلا و هي تطالب برؤيته ،
تَم اصطحابها إلى ثلاجة الجثث ، أخرجوا وليدها من إحدى الثلاجات ،
نَظرت إليه نَظرةً باردةً تماماً ، عَكس مَ تَوقع الجميع منها ،
نَظرت إليه و همست فِي أذنه قائلة :
” بِرحيلك حرمت من أبسط حقوق الأمومة ،
حرمت من أن أراك حياً تُرزق ، حُرمت من أن أقبلك ،
حُرمت من أن أهمس فِي أذنك كل مساءٍ بِـ ( أُحبك ، تُصبِح عَلى خير ) ،
رُبما مَا كُنت لِأكون أماً جيدة على أي حال ،
و لَكنني أردت أن أكون أمك ،
أردت أن أحميك من كل ذوي البشر ،
و لَكنني كُنت أماً سيئةً لَم تَكن حَتى قادرةً على حمايتك و أنت في جوفها ،
أ.. أتعلم ، لَست ألوم نَفسي عَلى ذَلك كَثيراً ،
لَست ألومك ، وَ لَست ألومني ، لَست أضع الملامة على آي أحد ،
فَكلانا مذنبان ، و لربما كان ذا سبب استحقاقنا لبعضنا البعض ،
لَم أكن أماً جيدة ، وَ لَكنك كُنت عاقاً يَ بُني ، عاقاً جداً !
أتمنى أحياناً لَو أنني أجهضتك يَ بُني ،
وَ لكنني لَم أكن قادرةً على أن أُجهض حُبي لَك أبداً ،
و باختياري أن أُبقيك ، بِت أجهض سعادتي يَومياً ،
أجهضت الأمل من كل قَطرة دمٍ تحتويني ،
اخترت أن لا أجهضك ، فأرغمتني على اجهاض ذاتي عوضاً عَن ذَلك ،!
كُنت جنيناً مختلفاً يَ بني ، !
لَم أكن مخطئةً فِي ذلك ، فلَم تَكن كأي جنينٍ أبداً ،
كُنت تُشعرني بِك ، وَ بِكل ما تقوم به ،
كُنت أشعر بك تؤلمني ، وَ كأنّك تلتهم أحشائي ،
كُنت تَقتلني يومياً ، وكنت أزيف أفعالك ذي بادعائي بأنّك تركلني فقط ،
لَم يَعلم أي شخصٍ منهم كَم أنت مختلف ،
فاختلافك كَان غَير مقبولٍ لأي شخصٍ ذِا عقل و بصيرة ،
وَ لَكن حُبي لَك أعماني ، فَتقبلتك كما أنت ،
أحببت حَقيقة أنك كُنت تؤلمني ، لَأنه كان الإثبات الوحيد بأنّك مَازلت على قيد الحياة ،
وحتى في أيامك الأخيرة ، كُنت تسجنني في منزلي ،
أبقيتني حزينةً جداً ي بني ،
امتصّصت سَعادتي و رَحلت ،
تَركتني في كومة الوحشة تلتهمني ،
وَ لكنني س أنهض قريباً ي بُني ،
قَد يأخذ ذلك مني الكثير من الوقت ،
وَ لَكنني سأنهض و ألملم بقاياي المتناثرة ،
س أُشع أملاً من جديد ،
و قَد أتحَامق و احمل ابناً آخر في وقتٍ لاحق ،
وَ لَكنني أعدك بأنه سيكون مختلفاً عنك تماماً ،
أعدك ، بِأنّك سَتكون الأكثر اختلافاً بينهم ،
و أعدك ، بأنني لن أرغب بمن يشابهك يوماً ،
فواحدٌ منك يكفيني ،
ارحل ، ارحل ي بُني ،
فَأمك قَد غَفرت لَك ، فَقط ارحل عَن هنا ،
اترك لِي القليل من هوائي الـ قاسمتك إياه لأتنفس ،
ارحل ي بُني ،
فَما عَاد قُربك يرضيني ،
ارحل ، و اتركني لأعيش !
ارحل ! ارحل ! ارحل ! “
،.
+ أخَذت أربعة عشر شَهراً من عُمري ،
أنفقتها في سبيل سَعادتك ،
لَست نادمةً عليها ، لَست أريد منك إعادتها ،
وَ لَكنني أطلُب مِنك أن تُغادرني ،
أريدك أن تترك لِي مَا تبقى من عمري دون أن يحوي اسمك ،
أن يختفي اسمك عن جدراني ،
و أن تَترك لِي الفسحة لأنسى كُل مَا رَبطني بك يوماً ،
لًست جاحدةً أبداً ، وَ لَكنّك كُنت مختلف ،
استَنزفت مني كًل مَا أملك ومن ثم تَلاشيت من دنياي ،
فما عُدت أعلم ما إن كُنت حقيقةً أم أنني كُنت أختلقك لأحزن !
♥
+ وَحدك أنت ،
فُزت بِمعظمي ، فَفرطت بِـ كُلي !
،.
* هُو جنين حبٍ حمل في قلب امرأةٍ فأصبحت ” أمه ” !
* سَاره عَبدالعزيز

